إخوان الصفاء
54
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
نشر علمه ، ويتوجه إليه ويترحّم عليه كلما ذكره ، كما نذكر نحن معلمينا وأستاذينا أكثر مما نذكر آباءنا الجسدانيين ، ونترحّم على آبائنا . وان كان يظنّ أن ذلك الابن الجسداني ربما ينفعه إذا كبر ، ويعينه على أمور الدنيا ، فهذا ربما بلغ في العلم والحكمة والخير والمرتبة عند اللّه تعالى أن يشفع بعلمه لمعلمه ، فينجو بشفاعته ، وهو لا يدري ، كما ذكر اللّه تعالى بقوله : « آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من اللّه » . وأما من رزق المال ولم يرزق من العلم من إخواننا فينبغي له أن يطلب أخا ممن قد رزق العلم ويضمه إليه ويواسيه هذا من ماله ، ويرفده هذا من علمه ، ويتعاونان جميعا على إصلاح أمر الدين والدنيا . وينبغي للأخ ذي المال أن لا يمنّ على الأخ ذي العلم بما يواسيه من ماله ، ولا يحتقره لفقره ، لأن المال قنية جسدانية تقام بها حياة الجسد في دار الدنيا ، والعلم قنية نفسانية تقام بها حياة النفس في دار الآخرة ، وجوهر النفس خير من جوهر الجسد ، وحياة النفس خير من حياة الجسد ، لأن حياة الجسد إلى مدة ما ثم تنقطع وتضمحل ، وحياة النفس في الدار الآخرة تبقى مؤبّدا كما ذكر اللّه تعالى : « لا يذوقون فيها الموت إلّا الموتة الأولى » . وينبغي للأخ ذي العلم والحكم أن لا يحسد أخا ذا مال له ، ولا يستحقره لجهله ، ولا يفتخر عليه بعلمه ، ولا يطلب منه عوضا فيما يعلمه ، لأن مثلهما في صحبتهما وتعاونهما : هذا لهذا بماله ، وهذا لهذا بعلمه ، كمثل اليد والرجل في اتصالهما بالجسد وخدمتهما وتعاونهما في إصلاح الجملة . وذلك لأن اليدين لا تطلبان من الرجلين ، إذا احتذتا لهما نعلا أو أخرجتا منهما شوكة ، جزاء ولا شكورا ، وكذلك الرّجلان لا تطلبان من اليدين ، إذا بلّغتاهما إلى الموضع الذي شاءتا وتستّرتا وهربتا به من خوف القطع ، جزاء ولا عوضا ، لأنهما آلات جسد واحد ، وقوام إحداهما بالأخرى ؛ وهكذا أيضا السمع لا يمنّ على البصر إذا أسمعه النداء ، ولا البصر يمنّ على السمع إذا أراه المنادي ، لأنهما قوتان لنفس